عباس حسن

572

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة

يسبقها كلام له صلة معنوية بمعموليها « 1 » . وفي : « كأن » : التشبيه « 2 » ؛ وفي :

--> ومثال ذلك قولنا : « هذا غنى » فيخطر بالبال أنه محسن بسبب غناه ، فإن كان غير محسن أسرعنا إلى إزالة الخاطر بمجىء ما يدل على ذلك ، مثل كلمة : « لكن » وبعدها المعمولان ، فنقول : « هذا غنى لكنه غير محسن » . ومثل : الكتاب رخيص ، فيقع في الخاطر أنه قليل النفع . فإن كان غير ذلك بادرنا بمجىء كلمة : « لكن » مع معموليها لإزالة هذا الوهم ؛ فنقول : « الكتاب رخيص ، لكنه كبير النفع . . . » وهكذا ، فلا بد أن يكون قبلها كلام يتضمن معنى أصليا يوحى بمعنى فرعى ناشىء منه . وهذا المعنى الفرعى هو الذي يراد إبعاده بكلمة : « لكنّ » ، ويعبر النحاة عن هذا بقولهم في الاستدراك إنه : « تعقيب الكلام برفع ما يتوهم ثبوته ، أو إثبات ما يتوهم نفيه » . وهذا يقتضى أن يكون المعنى بعدها مخالفا للمعنى الفرعى الذي يفهم مما قبلها ، ومغايرا له . وتقع بعد النفي والإثبات . فإن كان المعنى الفرعى الذي قبلها موجبا كان ما بعدها منفيا في معناه ، وإن كان المعنى الفرعى قبلها منفيا في معناه كان ما بعدها موجبا ، فمعناها ينبئ عن المغايرة والمخالفة بين ما بعدها وما قبلها . من غير حاجة إلى أداة نافية في أحدهما ولا يصح أن تكون الجملة الاسمية بعدها خبرا عن مبتدأ أو عن ناسخ قبلها - ولا غير خبر أيضا - كما سنعرف . واستعمال « لكنّ » في الاستدراك هو الأعم الأغلب . ومن الجائز استعمالها في بعض الأحيان لمجرد تأكيد المعنى ، كما كان يستعملها الفصحاء ؛ مثل : « لو اعتذر المسىء لتناسيت إساءته ؛ لكنه لم يعتذر » فهي هنا لتأكيد عدم الاعتذار ، وهو مفهوم بدونها من كلمة : « لو » التي تفيد نفى معنى الكلام المثبت بعدها . ومن الآيات المشتملة على « لكن » قوله تعالى : « لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي » وأوضح الآراء فيها أن تقدير الكلام : لكن ( بسكون النون ) أنا هو اللّه ربى . فحذفت الهمزة تخفيفا ، وأدغمت النون في النون ؛ فصارت : لكنا - ( بنون مشددة بعدها ألف ) . و « لكن » مشددة النون - هي التي تعد من أخوات « إن » في العمل . أما : « لكن » مخففة النون ( أي : الساكنة النون ) فليست من أخوات « إن » ولا من النواسخ . بالرغم من أن معناها : « الاستدراك » أيضا . كما سيجئ في ج 3 باب العطف . ( 1 ) أي : لا بد أن تتوسط بين جملتين كاملتين ، بينهما نوع اتصال معنوي ، - لا إعرابي - بحيث تكون في صدر الثانية منهما ، ولا يصح في الجملة الثانية المصدرة بها أن تقع خبرا - أو غيره - عن شئ سابق على « لكنّ » ، كما أشرنا - راجع رقم 3 من هامش ص 571 - أما ما ورد في كلام السابقين المولدين من نحو : فلان وإن كثر ماله - لكنه بخيل ، أو : إلا أنه بخيل فقد سبق بيان الرأي فيه ( وص 408 ) . ( 2 ) المراد : تشبيه اسمها بخبرها فيما يشتهر به الخبر . والتشبيه بها أقوى من التشبيه بالكاف ؛ فمثل : كأن الجمل فيل في الضخامة ، أقوى في التشبيه من : « الجمل كالفيل في الضخامة » . ولا يليها - في الغالب - إلا المشبه . أما « الكاف » و « مثل » . . و . . . وأضرابهما فيليها المشبه به في الأكثر ، على الصورة التي فصلها البيانيون في كل ذلك . واستعمالها في التشبيه مطرد في سائر أحوالها عند جمهرة النحاة . ولكن فريقا يقول : إنها لا تكون للتشبيه إلا حين يكون خبرها اسما أرفع من اسمها قدرا . أو أحط منه ؛ نحو : كأن الرجل ملك . أو : كأن اللص قرد . أما إذا كان خبرها جملة فعلية ، أو ظرفا ، أو جارا مع مجروره ، أو صفة من صفات اسمها - فإنها للظن ؛ نحو : كأن محمودا وقف ، أو واقف ، أو عندك ، أو في الدار . . . لأن محمودا هو نفس الواقف ، ونفس المستقر عندك ، أو في الدار . . . والشئ لا يشبه بنفسه . ويقول الذين يرونها للتشبيه باطراد : إنها في الأمثلة السابقة ونظائرها - جارية على أداء مهمتها الأصلية ؛ وهي : التشبيه باعتبار أن المشبه به محذوف ، فالأصل : كأن محمودا شخص وقف ، أو شخص واقف ، أو شخص عندك ، أو شخص في البيت . . . أو باعتبار المشبه به هو نفس المشبه ، ولكن في حالة أخرى له . ولا مانع عندهم من تشبيه الشخص في حالة معينة - بنفسه في حالة أخرى تخالفها ، فيكون المراد : كأن محمودا في حاله وهو غير واقف شبيه بنفسه وهو واقف . . . والخلاف شكلى ، ولكن هذا الرأي أنسب لأنه عام ينطبق على كل الحالات ، ويريحنا من التشتيت والخلاف ، وتشعيب القواعد . والأخذ بهذا الرأي أو ذاك إنما يكون حيث لا توجد القرينة التي تعين المراد . فإن وجدت وجب الأخذ بها .